الخطيب الشربيني
220
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
طال ما شاهدتموها تارة تأتي بما يضر وتارة بما يسر كما قال تعالى خَوْفاً أي : للإخافة من الصواعق المحرقة وَطَمَعاً أي : وللإطماع في المياه العذبة وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً أي : الذي لا يمكن لأحد غيره دعواه ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي ، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي فَيُحْيِي بِهِ أي : بذلك الماء خاصة لأنّ أكثر الأرض لا يسقى بغيره الْأَرْضَ أي : بالنبات الذي هو لها كالروح لجسد الإنسان بَعْدَ مَوْتِها أي : يبسها إِنَّ فِي ذلِكَ أي : الأمر العظيم العالي القدر لَآياتٍ لا سيما على القدرة على البعث لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي : يتدبرون فيستعملون عقولهم في استنباط أسبابها وكيفية تكوّنها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع . تنبيه : كما قدّم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء ، وكما أن في إنزال المطر وإنبات الشجر منافع كذلك في تقديم الرعد والبرق على المطر منفعة ، وهي أنّ البرق إذا لاح فالذي لا يكون تحت كن يخاف الابتلال فيستعد له ، والذي له صهريج أو مصنع يحتاج إلى الماء ، أو زرع يسوي مجاري الماء وأيضا أهل البوادي لا يعلمون البلاد المعشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب دون جانب . واعلم أن دلائل البرق وفوائده وإن لم تظهر للمقيمين في البلاد فهي ظاهرة للبادين ، فلهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة وآية ، فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى هنا لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وفيما تقدم لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ؟ أجيب : بأنه لما كان حدوث الولد من الوالد أمرا عاديا مطردا قليل الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أنّ ذلك بالطبيعة لأنّ المطرد أقوى إلى الطبيعة من المختلف ، والبرق والمطر ليس أمرا مطردا غير مختلف بل يختلف إذ يقع ببلدة دون بلدة ، وفي وقت دون وقت ، وتارة يكون قويا وتارة يكون ضعيفا ، فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار فقال هو آية لمن كان له عقل وإن لم يتفكر تفكرا تاما . ثم ذكر تعالى من لوازم السماء والأرض قيامهما بقوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أي : على تمام القدرة وكمال الحكمة أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ قال ابن مسعود ، قامتا على غير عمد بأمره أي : بإرادته ، فإنّ الأرض لثقلها يتعجب الإنسان من وقوفها وعدم نزولها وكون السماء في علوها يتعجب من علوها وثباتها من غير عمد وهذا من اللوازم ، فإنّ الأرض لا تخرج عن مكانها الذي هي فيه ، وإنما أفرد السماء والأرض لأنّ السماء الأولى والأرض الأولى لا تقبل النزاع ؛ لأنها مشاهدة مع صلاحية اللفظ بالكل لأنه جنس . تنبيه : ذكر تعالى من كل باب أمرين أما من الأنفس فقوله تعالى خَلَقَكُمْ * خَلَقَ لَكُمْ * واستدل بخلق الزوجين ، ومن الآفاق السماء والأرض فقال تعالى خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الروم : 22 ] ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان واختلاف الألوان ومن عوارض الآفاق البرق والأمطار ، ومن لوازمهما قيام السماء والأرض ؛ لأنّ الواحد يكفي للإقرار بالحق والثاني يفيد الاستقرار ، ومن هذا اعتبر شهادة شاهدين ، فإنّ قول أحدهما يفيد الظنّ وقول الآخر يفيد تأكيده ولهذا قال إبراهيم عليه السّلام بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة : 260 ] . فإن قيل : ما الفائدة في قوله تعالى هنا وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ [ الروم : 25 ] وقال تعالى قبله وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [ الروم : 24 ] ولم يقل أن يريكم ليصير كالمصدر بأن ؟ أجيب : بأنّ القيام لما كان غير معتبر أخرج الفعل بأن عن الفعل المستقبل ولم يذكر معه الحروف المصدرية ،